الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
64
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
قلوبهم هو من أحوال إتيان اللّه إياهم من حيث لم يحتسبوا فتخصيصه بالذكر للتعجيب من صنع اللّه ، وعطفه على « أتاهم اللّه من حيث لم يحتسبوا » عطف خاص على عام للاهتمام . و الرُّعْبَ : شدة الخوف والفزع . وهذا معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « نصرت بالرعب » ، أي برعب أعداء الدين . وجملة يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ حال من الضمير المضاف إليه قُلُوبِهِمُ لأن المضاف جزء من المضاف إليه فلا يمنع مجيء الحال منه . والمقصود التعجيب من اختلال أمورهم فإنهم وإن خربوا بيوتهم باختيارهم لكن داعي التخريب قهري . والإخراب والتخريب : إسقاط البناء ونقضه . والخراب : تهدم البناء . وقرأ الجمهور يُخْرِبُونَ بسكون الخاء وتخفيف الراء المكسورة مضارع : أخرب . وقرأه أبو عمرو وحده بفتح الخاء وتشديد الراء المكسورة مضارع : خرّب . وهما بمعنى واحد . قال سيبويه : إن أفعلت وفعّلت يتعاقبان نحو أخرجته وخرّبته ، وأفرحته وفرّحته . يريد في أصل المعنى . وقد تقدم ما ذكر من الفرق بين : أنزل ونزّل في المقدمة الأولى من مقدمات هذا التفسير . وأشارت الآية إلى ما كان من تخريب بني النضير بيوتهم ليأخذوا منها ما يصلح من أخشاب وأبواب مما يحملونه معهم ليبنوا به منازلهم في مهاجرهم ، وما كان من تخريب المؤمنين بقية تلك البيوت كلما حلّوا بقعة تركها بنو النضير . وقوله : بِأَيْدِيهِمْ هو تخريبهم البيوت بأيديهم ، حقيقة في الفعل وفي ما تعلق به ، وأما تخريبهم بيوتهم بأيدي المؤمنين فهو مجاز عقلي في إسناد التخريب الذي خربه المؤمنون إلى بني النضير باعتبار أنهم سبّبوا تخريب المؤمنين لما تركه بنو النضير . فعطف أَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ على بِأَيْدِيهِمْ بحيث يصير متعلّقا بفعل يُخْرِبُونَ استعمال دقيق لأن تخريب المؤمنين ديار بني النضير لمّا وجدوها خاوية تخريب حقيقي يتعلق المجرور به حقيقة . فالمعنى : ويسببون خراب بيوتهم بأيدي المؤمنين فوقع إسناد فعل يُخْرِبُونَ على